امبراطور القلم
03-21-2008, 11:52 PM
القلم يا سادة مخلوق عجيب .. أقسم الله به في كتابة لعظم شأنه ( ن . والقلم وما يسطرون ) والقلم يا سادة ضربت بسببه وللمرة الأولى في حياتي الدراسية ضربا مبرحا ، وكان هذا الضرب سببا في زيادة علاقتي به وحبي له .
قصة ضربي بسبب القلم يا سادة ، هي أن أستاذنا القدير الخطاط الماهر ( محمد القشاشي ) الذي كان يدرسنا مادة الخط في المعهد العلمي بمحافظة النماص ، نظر في كراستي - كراسة الخط - يوما فرأى كتابة الخط بشكل لا أظنه رأى مثله ، إذ كان مداد الحبر متناثرا على الأسطر وكأنه سعابيل أطفال ،والسعابيل في لغة من ليس لهم لغة هي : الريق الذي يخرج من أفواه الأطفال لا شعوريا . تقول العامة : أمسك عليك سعابيلك لمن يخرج مع الحروف أثناء حديثه شيئا من الشهد ( الريق ) وفرق بين السعابيل والسعابل ، فالسَّعَابِلُ في لغة العرب : الطِّوالُ مِنَ الإِبِلِ .. فما كان من أستاذنا إلا أن أخرج من جيب ثوبه أنبوبا من ( البلاستك ) وضربني فقط خمس ضربات ، لم يزد عليها فأحسست أن الدنيا قد آذنت برحيل ،عدت ذلك اليوم إلى دياري ، أقبل ذا الجدار وذا الجدار ، وأردد قول ذي الرمة :
بالله يا ضبيات القاع قلن لنا .. ليلاي منكن أم ليلى من البشر )
(وأخذت أتعلم قواعد الخطّ ، وأتمرن عليها حتى أتقنتها ، وفي الأسبوع التالي نشرت كراسة الخط بين يديه ليصحح ما كتبته ويقيمه والذي كان يشبــــــــــــــه في ترتيبه ونظمه ( أسنان العروس ) فنظر فيّ وتأمل قليلا بعد أن تأمل الأحرف المرسومة ، ثم قال بلهجته المصرية :" إيوه يا وله إنته حتطلع خطاط " فقلت في نفسي عسى ولعلّ ، مكره أخاك لا بطل .
أستاذنا ( محمد القشاشي ) هذا أوقف يوما أحد التلاميذ داخل الفصل ثم قال له : " تكلم يا وله عن القاهرة " فنظر التلميذ يمنة ويسرة وكأنه يستجدي من حوله لعلهم يسعفوه ، فسمع طالبا من آخر الفصل يقول : " قاهرة المعز " فما كان من صاحبنا إلا أن التقط هذه العبارة ، لكنها لم تصله واضحة عبر الأثير ، فقال : " القاهرة قهرت المسلمين " فغضب منه أستاذنا ( محمد القشاشي ) ونهره قائلا : " اجلس يا وله يخرب بيتك " ، نعوذ بالله من خراب البيوت .
هل كتبتم بالقصب يا سادة ، كان لي قلم من القصب مشطور الريشة إلى اليمين ، وكان لي دواة حبر بداخلها قطن ، فإذا أردت الكتابة غمست الخيزران في القطن المبلل بالحبر ، ثم أخرجته وكأنني الحريري يوم كان يكتب مقاماته ، أو الأصفهاني يوم كان يكتب أغانيه ، وكنت أفتخر بهذه الطريقة التي كانت تذكرني بعلماء السلف وأدبائهم ، كنت أتلذذ بصرير القلم على الورقة وكأنه صوت الرياح في ليلة شاتية .
أدركت بالقلم الخطي من قصب ... ما ليس يدرك بالخطى والقضب
ونلت بالجد والجد اللذين هما ... أمنيتا كل نفس كل مطلب
كنت أتبارى أنا وزملائي في المعهد العلمي في الخط ، وبلا مجاملة كنت أنافسهم وأتجاوزهم ، ووصلت الجوزاء ولا زالوا في ( الرهو ) وهو اسم المكان الذي يقع فيه المعهد العلمي آنذاك :
يا باري القوس بريا ليس يحكمه ... لا تفسد القوس أعط القوس باريها
أذكر أنني كتبت لوحتين كبيرتين على مدخلي مدينتي - مسقط رأسي النماص - الشمالي والجنوبي تحمل كلمة ( سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم ) وبقيت قرابة عشر سنوات ، وهذه العبارة هي التي أرجو بها النجاة عند الله ، فكم من عابر سبيل قرأها وتأملها ورددها ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ، كم أدعو كلما قرأت لوحة على طريق تذكرني بالله لمن كتبها ( سيروا وسبحوا الله ، لا تنس ذكر الله ، استغفر الله ) ، ، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .
من عشقي وحبي للقلم يا سادة أنه كان لي عدة أقلام وأنا صغير في المرحلة المتوسطة ، فهذا للتوقيع ، وهذا للخط ، وذاك للحساب ، وآخر للرسم ، وخامس للتوضيح ، وسادس لخط الرقعة ، وسابع للنسخ ، وثامن لخط الثلث ،وأذكر أنني في يوم من الأيام استخدمتها جميعها في جلسة واحدة ، وكلما انتهيت من قلم وضعته في جيبي العلوي ، حتى اصطفت في جيبي وكأنها طابور مدرسي ، كل ذلك بلا شعور ، ثم ذهبت لصلاة الجمعة ، وكان أخي الأكبر – متعه الله بالصحة والعافية وأطال عمره على طاعته – يناظرني من بعيد ويبتسم ، وبعد خروجي من المسجد نظر إلي وقال :" هل بك جنون ؟ فقلت : لا ، فقال لي : " ما هذه النياشين العسكرية التي علقتها على جيبك ؟ فنظرت فإذا بي أشاهد طابورا من الأقلام مختلفة الألوان ، وكأنها نياشين روزفلت أو أدوف هتلر في الحرب العالمية الثانية ، فقلت وماذا تريدني أن أفعل : ( أحب قلم ) .
هل عرفتم ذلك الترجمان ؟ إنه القلم .
ألقاكم في الحلقة الثانيةإن شاء الله .. تصبحون على خير
قصة ضربي بسبب القلم يا سادة ، هي أن أستاذنا القدير الخطاط الماهر ( محمد القشاشي ) الذي كان يدرسنا مادة الخط في المعهد العلمي بمحافظة النماص ، نظر في كراستي - كراسة الخط - يوما فرأى كتابة الخط بشكل لا أظنه رأى مثله ، إذ كان مداد الحبر متناثرا على الأسطر وكأنه سعابيل أطفال ،والسعابيل في لغة من ليس لهم لغة هي : الريق الذي يخرج من أفواه الأطفال لا شعوريا . تقول العامة : أمسك عليك سعابيلك لمن يخرج مع الحروف أثناء حديثه شيئا من الشهد ( الريق ) وفرق بين السعابيل والسعابل ، فالسَّعَابِلُ في لغة العرب : الطِّوالُ مِنَ الإِبِلِ .. فما كان من أستاذنا إلا أن أخرج من جيب ثوبه أنبوبا من ( البلاستك ) وضربني فقط خمس ضربات ، لم يزد عليها فأحسست أن الدنيا قد آذنت برحيل ،عدت ذلك اليوم إلى دياري ، أقبل ذا الجدار وذا الجدار ، وأردد قول ذي الرمة :
بالله يا ضبيات القاع قلن لنا .. ليلاي منكن أم ليلى من البشر )
(وأخذت أتعلم قواعد الخطّ ، وأتمرن عليها حتى أتقنتها ، وفي الأسبوع التالي نشرت كراسة الخط بين يديه ليصحح ما كتبته ويقيمه والذي كان يشبــــــــــــــه في ترتيبه ونظمه ( أسنان العروس ) فنظر فيّ وتأمل قليلا بعد أن تأمل الأحرف المرسومة ، ثم قال بلهجته المصرية :" إيوه يا وله إنته حتطلع خطاط " فقلت في نفسي عسى ولعلّ ، مكره أخاك لا بطل .
أستاذنا ( محمد القشاشي ) هذا أوقف يوما أحد التلاميذ داخل الفصل ثم قال له : " تكلم يا وله عن القاهرة " فنظر التلميذ يمنة ويسرة وكأنه يستجدي من حوله لعلهم يسعفوه ، فسمع طالبا من آخر الفصل يقول : " قاهرة المعز " فما كان من صاحبنا إلا أن التقط هذه العبارة ، لكنها لم تصله واضحة عبر الأثير ، فقال : " القاهرة قهرت المسلمين " فغضب منه أستاذنا ( محمد القشاشي ) ونهره قائلا : " اجلس يا وله يخرب بيتك " ، نعوذ بالله من خراب البيوت .
هل كتبتم بالقصب يا سادة ، كان لي قلم من القصب مشطور الريشة إلى اليمين ، وكان لي دواة حبر بداخلها قطن ، فإذا أردت الكتابة غمست الخيزران في القطن المبلل بالحبر ، ثم أخرجته وكأنني الحريري يوم كان يكتب مقاماته ، أو الأصفهاني يوم كان يكتب أغانيه ، وكنت أفتخر بهذه الطريقة التي كانت تذكرني بعلماء السلف وأدبائهم ، كنت أتلذذ بصرير القلم على الورقة وكأنه صوت الرياح في ليلة شاتية .
أدركت بالقلم الخطي من قصب ... ما ليس يدرك بالخطى والقضب
ونلت بالجد والجد اللذين هما ... أمنيتا كل نفس كل مطلب
كنت أتبارى أنا وزملائي في المعهد العلمي في الخط ، وبلا مجاملة كنت أنافسهم وأتجاوزهم ، ووصلت الجوزاء ولا زالوا في ( الرهو ) وهو اسم المكان الذي يقع فيه المعهد العلمي آنذاك :
يا باري القوس بريا ليس يحكمه ... لا تفسد القوس أعط القوس باريها
أذكر أنني كتبت لوحتين كبيرتين على مدخلي مدينتي - مسقط رأسي النماص - الشمالي والجنوبي تحمل كلمة ( سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم ) وبقيت قرابة عشر سنوات ، وهذه العبارة هي التي أرجو بها النجاة عند الله ، فكم من عابر سبيل قرأها وتأملها ورددها ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ، كم أدعو كلما قرأت لوحة على طريق تذكرني بالله لمن كتبها ( سيروا وسبحوا الله ، لا تنس ذكر الله ، استغفر الله ) ، ، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .
من عشقي وحبي للقلم يا سادة أنه كان لي عدة أقلام وأنا صغير في المرحلة المتوسطة ، فهذا للتوقيع ، وهذا للخط ، وذاك للحساب ، وآخر للرسم ، وخامس للتوضيح ، وسادس لخط الرقعة ، وسابع للنسخ ، وثامن لخط الثلث ،وأذكر أنني في يوم من الأيام استخدمتها جميعها في جلسة واحدة ، وكلما انتهيت من قلم وضعته في جيبي العلوي ، حتى اصطفت في جيبي وكأنها طابور مدرسي ، كل ذلك بلا شعور ، ثم ذهبت لصلاة الجمعة ، وكان أخي الأكبر – متعه الله بالصحة والعافية وأطال عمره على طاعته – يناظرني من بعيد ويبتسم ، وبعد خروجي من المسجد نظر إلي وقال :" هل بك جنون ؟ فقلت : لا ، فقال لي : " ما هذه النياشين العسكرية التي علقتها على جيبك ؟ فنظرت فإذا بي أشاهد طابورا من الأقلام مختلفة الألوان ، وكأنها نياشين روزفلت أو أدوف هتلر في الحرب العالمية الثانية ، فقلت وماذا تريدني أن أفعل : ( أحب قلم ) .
هل عرفتم ذلك الترجمان ؟ إنه القلم .
ألقاكم في الحلقة الثانيةإن شاء الله .. تصبحون على خير